ابن عجيبة

243

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

ثُمَّ لما سقى لهما تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ ؛ ظل شجرة . عن عمرو بن ميمون ، عن عبد اللّه ؛ قال : أحييت ليلتين على جمل لي ، حتى صبّحت مدين ، فسألت عن الشجرة التي أوى إليها موسى ، فإذا هي شجرة خضراء ، فأخذ جملي يأكل منها ثم لفظها . ه « 1 » . وفي الآية دليل على جواز الاستراحة والاستظلال في الدنيا ، بخلاف ما يقوله بعض المتقشفة ، وسيأتي في الإشارة تمامه إن شاء اللّه . ثم بث شكواه لمولاه فَقالَ رَبِّ إِنِّي لِما أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ قليل أو كثير فَقِيرٌ ؛ محتاج . قال ابن عباس : لقد قال ذلك وإن خضراء البقل لتتراءى في بطنه ، من الهزال . قيل : لم يذق طعاما منذ سبعة أيام ، وقد لصق بظهره بطنه ، وما سأل اللّه تعالى الأكلة . وفي هذا تنبيه على هوان الدنيا على اللّه تعالى . وقال ابن عطاء : نظر من العبودية إلى الربوبية ، وتكلم بلسان الافتقار ، لما ورد على سره من الأنوار . ه . الإشارة : ولما توجه القلب تلقاء مدين المآرب ، ومنتهى الرغائب - وهي الحضرة القدسية - قال : عسى ربى أن يهديني سواء السبيل ، أي : وسط الطريق التي توصل إليها ، وهو شيخ التربية . ولمّا ورد مناهله ، ومحل شربه ؛ وجد عليه أمة من الناس يسقون قلوبهم من شراب تلك الخمرة ، ويطلبون مثل ما يطلب ، فإن كان قويا في حاله ؛ وصل من كان ضعيفا وسقى له ، ثم نزل إلى ظل المعرفة ، في نسيم برد الرضا والتسليم ، قائلا ، بلسان التضرع ، سائلا من اللّه المزيد : ربّ إني لما أنزلت إلىّ من خير الدارين ، وغنى الأبد ، فقير محتاج إلى مزيد الفضل والكرم . وقال في لطائف المنن : ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ ؛ قصدا لشكر اللّه تعالى على ما ناله من النعمة - يعنى : نعمة الظل الحسى - وجعله أصلا في استعمال الطيبات ، وتناولها بقصد الشكر ، ومثله في التنوير . وفي سنن أبي داود عن عائشة - رضى اللّه عنها - قالت : « كان صلى اللّه عليه وسلم يستعذب له الماء من بيوت السّقيا » « 2 » ، قال ابن قتيبة : هي عين ، بينها وبين المدينة يومان . ه . وكان الشيخ ابن مشيش يقول لأبى الحسن رضي اللّه عنه : ( يا أبا الحسن ، برّد الماء ؛ فإن النفس إذا شربت الماد البارد ؛ حمدت اللّه بجميع الجوارح ، وإذا شربت الماء السخن ؛ حمدت اللّه بكزازة ) . ثم ذكر اتصاله بشعيب ، فقال : [ سورة القصص ( 28 ) : الآيات 25 إلى 28 ] فَجاءَتْهُ إِحْداهُما تَمْشِي عَلَى اسْتِحْياءٍ قالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ ما سَقَيْتَ لَنا فَلَمَّا جاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قالَ لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ( 25 ) قالَتْ إِحْداهُما يا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ ( 26 ) قالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هاتَيْنِ عَلى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْراً فَمِنْ عِنْدِكَ وَما أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ ( 27 ) قالَ ذلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلا عُدْوانَ عَلَيَّ وَاللَّهُ عَلى ما نَقُولُ وَكِيلٌ ( 28 )

--> ( 1 ) أخرجه ابن جرير ( 20 / 58 ) وذكره ابن كثير ( 3 / 384 ) . ( 2 ) أخرجه أبو داود في ( الأشربة ، باب في إيكاء الآنية ، ح 3735 ، 4 / 119 ) والحاكم ( 4 / 138 ) وبنحوه ، أحمد في المسند ( 6 / 100 ) . والسقيا : منزل بين مكة والمدينة ، على يومين من المدينة . انظر : النهاية في غريب الحديث ( سقا ، 2 / 382 ) .